صديق الحسيني القنوجي البخاري
149
فتح البيان في مقاصد القرآن
قرأ الجمهور يُوحى مبنيا للمفعول وقرأ الأعمش والنخعي مبنيا للفاعل ، أي يوحي اللّه إليّ ، قيل : ومعنى الآية أني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسرا فإني بشر مثلكم ، ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحي إلي التوحيد ، والأمر به ، فعلى البلاغ وحده ، فإن قبلتم رشدتم ؛ وإن أبيتم هلكتم ، وقيل ؛ المعنى أني لست بملك لا يرى ، وإنما أنا بشر مثلكم ، وقد أوحي إلي دونكم فصرت بالوحي نبيا ، ووجب عليكم اتباعي ، وقال الحسن في معنى الآية إن اللّه سبحانه علم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يتواضع . فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ عداه بإلى لتضمنه معنى : توجهوا والمعنى وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة ، ولا تميلوا عن سبيله وَاسْتَغْفِرُوهُ لما فرط منكم من الذنوب والشرك ، وما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل ثم هدد المشركين وتوعدهم فقال : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ثم وصفهم بقوله : الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي يمنعونها ولا يخرجونها إلى الفقراء ؛ وقال الحسن وقتادة : لا يقرون بوجوبها ، وقال الضحاك ومقاتل : لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة وقيل معنى الآية لا يشهدون أن لا إله إلا اللّه لأنها زكاة الأنفس وتطهيرها ، قاله ابن عباس . وقال مجاهد : لا يزكون أعمالهم ، وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ، ومن تخلف عنها هلك . وقال الفراء : كان المشركون ينفقون النفقات ويسقون الحجيج ويطعمونهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فنزلت فيهم هذه الآية ، وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب الشيء إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل اللّه فذلك أقوى دليل على استقامته ، وثباته وصدق نيته ، ونصوح طويته ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا ففرت عصبيتهم ، ولانت شكيمتهم ، وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلا بمنع الزكاة ، وتخويف شديد من منعها ، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن الكفر بالآخرة . وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ معطوف على : لا يؤتون الزكاة ، داخل معه في حيز الصلة ؛ أي منكرون للآخرة جاحدون لها ، والمجيء بضمير الفصل لقصد الحصر . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 8 إلى 11 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 ) قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع عنهم ، يقال : مننت الحبل إذا قطعته ، وقيل : الممنون المنقوص قاله ابن عباس